السيد علي عاشور

111

موسوعة أهل البيت ( ع )

لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ يعني آل محمّد وهم الذين يستنبطون من القرآن ويعرفون الحلال والحرام وهم الحجّة للّه على خلقه « 1 » . وعن إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام انّما مثل علي بن أبي طالب عليه السّلام ومثلنا من بعده في مثل هذه الأمّة كمثل موسى النبيّ والعالم عليهما السّلام حيث لقيه واستنطقه وسأله الصحبة فكان من أمرهما ما اقتصّه اللّه لنبيّه في كتابه ، وذلك أنّ اللّه قال لموسى عليه السّلام إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ثمّ قال : وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وقد كان عند العالم علم لم يكتبه لموسى في الألواح ، وكان موسى عليه السّلام يظنّ أنّ جميع الأشياء التي يحتاج إليها في نبوّته وجميع العلم قد كتب له في الألواح كما يظنّ هؤلاء الذين يدّعون أنّهم علماء فقهاء وأنّهم قد أوتوا جميع العلم والفقه في الدين ممّا تحتاج هذه الأمّة إليه فصحّ لهم ذلك عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعلموه وحفظوه وليس كلّ علم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم علموه ولا صار إليهم عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولا عرفوه ، وذلك أنّ الشيء من الحلال والحرام والأحكام قد يردّ عليهم فيسألون عنه فلا يكون عندهم فيه أثر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فيستحون أن ينسبهم الناس إلى الجهل ، ويكرهون أن يسألوا فلا يجيبون ، فطلب الناس العلم من معدنه فلذلك استعملوا الرأي والقياس في دين اللّه وتركوا الآثار ودانوا اللّه بالبدع وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : كلّ بدعة ضلالة ، فلو أنّهم إذا سئلوا عن شيء من دين اللّه فلم يكن عندهم فيه أثر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ردّوه إلى اللّه وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطون منهم من آل محمّد والذي يمنعهم من طلب العلم منّا العداوة والحسد ، واللّه ما حسد موسى العالم وموسى نبيّ يوحى اللّه إليه حيث لقنه واستنطقه وعرفه بالعلم ، بل أقرّ له بعلمه ولم يحسده كما حسدتنا هذه الأمّة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، علمنا ما ورثنا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولم يرغبوا إلينا في علمنا كما رغب موسى إلى العالم وسأله الصحبة فيتعلّم منه العلم ويرشده ، فلمّا إن سئل العالم ذلك علم العالم أنّ موسى لا يستطيع صحبته ولا يحتمل علمه ولا يصبر معه ، فعند ذلك قال له العالم : إنّك لن تستطيع معي صبرا . فقال له موسى عليه السّلام : ولم لا أصبر . فقال له العالم : وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا ، قال موسى وهو خاضع له بتعظيمه على نفسه كي يقبله : ستجدني إن شاء اللّه صابرا ولا أعصي لك أمرا ، وقد كان العالم يعلم أنّ موسى لا يصبر على علمه وكذلك واللّه يا إسحاق حال قضاة هؤلاء وفقهائهم وجماعتهم لا يحتملون واللّه علمنا ولا يقبلونه ولا يطيقونه ولا يأخذون به ولا يصبرون عليه كما لم يصبر موسى عليه السّلام على علم العالم حين صحبه ورأى ما رأى من علمه ، وكان ذلك عند موسى مكروها وكان عند اللّه رضى وهو

--> ( 1 ) تفسير العياشي : 1 / 260 .